جان لوئيس بوركهارت
تصدير 7
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
لقد استمر في رحلته حتى وصل إلى شمال الخرطوم ، واضطره تعنت بعض حكام النوبة إلى العودة قبل أن يتم مهمته بالدخول إلى دنقلة ( آخر بلاد النوبة في الجنوب ) . وقد لاحظت على عرضه لهذه الرحلة عدم تعرضه لأي صناعة تكون قد صادفته هناك ؛ مما يدل على الفقر المادي والفكري ؛ فإذا اقترضنا عدم توفر المواد الخام الزراعية ؛ فلماذا لم تقم صناعة على التعدين أو على الصيد مع توافر مناجم الرخام بأنواعه المختلفة ، وامتداد نهر النيل بطول البلاد . . . ؟ لقد استغرقت رحلة بوركهارت إلى بلاد النوبة ذهابا وإيابا ثمان سنوات اقتطعها من عمره القصر ( 33 عاما ) ، ولو عرفنا أنه دوّن كل ما صادفه في هذه الرحلة لأدركنا مدى الجهد الذي بذله فيها ، خاصة أنه اضطر لاستخدام النوق في تنقلاته ، وأن ذلك كان يستغرق منه ساعات طويلة يقضيها على ظهورها تحت وهج الشمس الحارقة ، ومع ذلك لا يركن إلى الراحة إذا ما حطّ رحاله في إحدى القرى ، بل يروح يدون ما لاقاه ولاحظه خلال الساعات الفائتة ، في الوقت الذي لم يجد فيه إلا لقيمات قليلة أو بعض التمر ليسد بها رمقه ، ومع هذا فإنك تكاد تحس بنبضه وحسه وصدقه مع كل كلمة تقرأها ، بل وكأنك تشاركه في رحلته . . . في ذهابه وإيابه ومقابلاته ومعاناته ، لأن كل كلمة تنبض بالحياة . إن هذا الكتاب يشمل الكثير من المعلومات ، فهو أدب رحلات ، وهو أيضا بحث اجتماعي يتناول حياة النوبيين . . . عاداتهم وتقاليدهم وطباعهم وأخلاقهم وأصولهم وقبائلهم وسلالاتهم ، وهو أيضا كتاب في التاريخ ، وفي الجغرافيا ، وفي الآثار ؛ فقد تناول بالتفصيل كل معابد المنطقة بأسلوب سهل بسيط سلس بحيث يستوعبه غير المتخصص . . أسلوب بسيط بساطة أهل النوبة الذين بسطوا له أذرعتهم واستقبلوه بحرارة مناخ بلادهم ؛ فأقبل عليها ببساطة أشد على الرغم من كل ما لاقاه من صعوبات - كما سلف وأوضحت - بدءا من قلة معلوماته عن المنطقة ومرورا بقسوة طبيعتها وخشونة طعامها وندرته وقسوة بعض حكامها وابتزاز بعض الأدلة الذين استعان بهم ، وتخلف وسيلة الانتقال الوحيدة التي اضطر لاستخدامها في تنقلاته ، بالإضافة إلى